الشيخ السبحاني
313
المذاهب الإسلامية
ب - يطلق ويراد منه ما هو وصف لنفس الشيء لا بملاحظة شيء آخر ، فيكتفي بمفعول واحد ، قال سبحانه : « الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى » « 1 » وقال سبحانه : « بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ » « 2 » ، ففي هذين الموردين وضعت التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره ، وعندئذ يكتفي بمفعول واحد ، ويكون المراد من التسوية حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامتها في مقابل نقصها واعوجاجها ، وهذا هو المراد في الآيتين المذكورتين ، وأُخرى تسطيحه مقابل اعوجاجه وبسطه مقابل كونه كالسنام . إذا عرفت هذا فلنعد إلى الحديث ولنطبق الضابطة عليه ، فبما انّه استعمل مع مفعول واحد فلا يراد منه المعنى الأوّل أي مساواته بالأرض ، وإلّا كان عليه أن يقول سويته بالأرض ، بل يراد ما هووصف لنفس القبر ، والمعنى المناسب هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه ، وبسطه في مقابل اعوجاجه ، وهذا هو الّذي فهمه شراح الحديث . قال القرطبي : قال علماؤنا ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة . « 3 » وقال النووي في شرح الحديث : إنّ السنّة ان القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ، ولا يسنّم ، بل يرفع نحو شبر . وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه . « 4 » ويؤيّد ذلك انّ مسلماً صاحب الصحيح ذكر الحديث تحت عنوان باب تسوية القبور . « 5 »
--> ( 1 ) . الأعلى : 2 . ( 2 ) . القيامة : 4 . ( 3 ) . تفسير القرطبي : 2 / 380 . ( 4 ) . صحيح مسلم بشرح النووي : 7 / 36 ، ط الثالثة . ( 5 ) . المصدر نفسه .